فخر الدين الرازي
28
شرح عيون الحكمة
وجد بعد العدم . ولا شك أن هذا المفهوم لا يتقرر الا بسبق العدم ، فإن كان المراد من كون العدم مبدأ : هذا القدر ، فهذا حق . وان كان المراد : أن ذلك العدم له تأثير في هذا الوجود : فهذا لا يقوله عاقل . ويدل عليه وجوه : الأول : ان عدم الشئ ، مناقض لوجوده ومناف له . وأحد النقيضين لا يكون له معرفة في حصول الآخر . الثاني : ان العدم نفى محض . فكيف يعقل جعل النفي المحض مؤثرا في الموجود ؟ وان عقل ذلك ، فحينئذ لا يمكننا أن نستدل بوجود الممكنات على وجود واجب الوجود . الثالث : ان هذا العدم سابق على هذا الوجود ، وممتنع البقاء عند حصول هذا الوجود ، فكيف يعقل جعله مؤثرا فيه ؟ الرابع : انه لو كان الأمر على ما قالوه ، يلزم أن يكون للشئ الواحد أسباب لا نهاية لها من العدمات . وذلك لأن كل حقيقة ، فإنه يصدق عليها سلب كل ما عداها عنها ، وما عداها أمور غير متناهية . وهذا الشئ الواحد من حيث إنه ليس بمثلث ( مثلا ) يكون هذا العدم مبدأ له . ومن حيث أنه ليس بمربع ، يكون هذا العدم الآخر مبدأ له . وهكذا القول في العدمات التي لا نهاية لها . والخامس : انه جعل هذا العدم مبدأ لهذا الوجود ، من حيث أن يكون هذا الوجود ذا أول ، لا يتقرر الا بهذا العدم ، فلم لا يجعل هذا الوجود مبدأ لذلك العدم ، من حيث أن يكون ذلك العدم ذا آخر ، لا يتقرر الا بهذا الوجود ؟ واعلم : أنه لولا أن هذا البحث خسيس جدا ، والا لكان للاطناب « 4 » فيه مجال . * * * قال الشيخ : « كل جسم يتحرك . فحركته اما من سبب ( خارج . وتسمى حركة قسرية . واما من سبب « 5 » في نفس
--> ( 4 ) الاطناب فيه محال : ص . ( 5 ) زيادة من : ع .